منذ سقوط النظام الأسدي ، رفعت الحكومة السورية خطاب “حماية الأقليات” و“التعددية” بوصفه دليلًا على التسامح والانفتاح، وقدّمت نفسها أمام الخارج كحامٍ للتنوع المجتمعي. غير أن هذا الخطاب، عند تفكيكه على أرض الواقع، يكشف عن مفارقة عميقة: تهميش ممنهج للأغلبية السورية، إلى جانب فئات واسعة من المجتمع، مقابل إبراز انتقائي لبعض الأقليات لأهداف سياسية خارجية وداخلية.

لا يمكن إنكار أن المجتمع السوري متنوع دينيًا وقوميًا، وأن حماية حقوق الأقليات مسألة أساسية في أي دولة عادلة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الحماية إلى أداة سياسية، تُستخدم لتثبيت سلطة، لا لبناء عقد اجتماعي متوازن.
الأغلبية الغائبة عن الخطاب
تشكل الأغلبية السنية، إلى جانب شرائح اجتماعية واسعة، العمود الفقري للمجتمع السوري تاريخيًا وثقافيًا. ومع ذلك، غابت هذه الأغلبية عن أي تمثيل حقيقي في القرار السياسي، والاقتصادي، والأمني. لم يُنظر إليها كمكوّن له حقوق ومطالب مشروعة، بل ككتلة صامتة يُفترض إخضاعها أو تجاوزها.
في المقابل، جرى تسويق صورة الدولة المتسامحة عبر التركيز الإعلامي والسياسي على بعض المناطق والمكوّنات، لا بدافع الإنصاف، بل لإرسال رسائل طمأنة للخارج، خصوصًا للدول الداعمة أو المؤثرة في الملف السوري.
تفضيل انتقائي لا عدالة شاملة
إن إبراز بعض الأقليات – سواء في الساحل أو السويداء أو شمال البلاد – لم يأتِ ضمن مشروع وطني جامع، بل ضمن معادلة مصالح وتحالفات إقليمية ودولية. والنتيجة لم تكن تمكينًا حقيقيًا لهذه المكوّنات، بل توظيفها سياسيًا، في حين بقيت مناطق واسعة، من مختلف الانتماءات، تعاني التهميش والفقر وغياب الخدمات.
الأخطر من ذلك أن هذا النهج خلق شرخًا مجتمعيًا، حيث جرى تصوير الصراع وكأنه صراع مكوّنات، بينما جوهره في الحقيقة هو صراع بين سلطة مركزية مغلقة ومجتمع محروم من المشاركة والعدالة.
الديمقراطية كواجهة لا كممارسة
تستخدم الحكومة خطاب الديمقراطية والتسامح كواجهة، بينما تغيب:
- المشاركة السياسية الحقيقية
- تكافؤ الفرص
- العدالة في توزيع الموارد
- احترام إرادة المجتمع
فالديمقراطية لا تُقاس بالخطابات ولا بالصور الموجّهة للخارج، بل بمدى شعور المواطن – أيًّا كان انتماؤه – بأنه شريك في وطنه.
نحو إنصاف حقيقي
إن أي مشروع وطني جاد لا يمكن أن يقوم على تفضيل مكوّن على آخر، ولا على تهميش الأغلبية تحت ذريعة حماية الأقليات. المطلوب هو:
- دولة مواطنة
- مساواة أمام القانون
- تمثيل حقيقي لكل السوريين
- إنهاء استخدام التنوع كأداة سياسية
فالإنصاف لا يعني استبدال تهميش بتهميش، بل كسر هذه الحلقة بالكامل.