بعد أكثر من عام على قيام نظام سياسي جديد في سوريا، تسعى الحكومة الحالية إلى تقديم نفسها بوصفها نموذجًا للتسامح والديمقراطية والانفتاح على جميع المكونات. غير أن هذه الصورة، عند مقارنتها بالواقع الميداني والاجتماعي، تكشف عن فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي وحياة السوريين الفعلية، ولا سيما أولئك الذين شاركوا في الثورة ودفعوا ثمنها.

دعم انتقائي لصناعة صورة سياسية
تعتمد الحكومة اليوم سياسة دعم وتطمين موجّهة لفئات ومكوّنات محددة، كثير منها كان:
- خارج مسار الثورة
- أو على الحياد
- أو متضررًا سابقًا من النظام المخلوع
ويُقدَّم هذا الدعم بوصفه دليلًا على التعددية والديمقراطية، في محاولة لبناء صورة إيجابية داخليًا وخارجيًا. غير أن هذا النهج يتم على حساب مكونات أخرى، وعلى رأسها القوى والمجتمعات التي شاركت فعليًا في الثورة، والتي تجد نفسها اليوم خارج دوائر القرار والدعم.
الثورة بلا تمثيل
المفارقة الأوضح أن جميع مكونات الثورة اليوم مهمّشة، سياسيًا وخدميًا واقتصاديًا.
فلا حضور حقيقي لها في مؤسسات الدولة، ولا شراكة فعلية في صياغة السياسات، ولا استجابة لمطالبها الأساسية، رغم أنها كانت القوة الأساسية في إسقاط النظام السابق.
هذا التهميش لا يقتصر على فئة أو منطقة بعينها، بل يشمل:
- المجتمعات التي احتضنت الثورة
- المناطق التي تعرّضت للدمار والتهجير
- ملايين النازحين واللاجئين
المخيمات مثال صارخ على الانفصال عن الواقع
تُعدّ أوضاع المخيمات في شمال سوريا مثالًا فاضحًا على هذا الانفصال.
فمع أول موجة أمطار غزيرة، غرقت مخيمات كاملة، وتضررت آلاف العائلات التي تعيش أصلًا في ظروف إنسانية قاسية، دون بنى تحتية أو حماية حقيقية.
ورغم خطورة المشهد، غاب التدخل الحكومي الفعّال، واقتصر الحضور الرسمي على بيانات عامة، بينما تُركت العائلات تواجه مصيرها، في تكرار لنمط قديم من الإهمال، لكن بواجهة سياسية جديدة.
ديمقراطية الشكل لا المضمون
إن دعم فئات محددة لإظهار التعددية لا يصنع ديمقراطية حقيقية.
فالديمقراطية لا تُقاس بمن يتم احتواؤه سياسيًا، بل بمن يتم إنصافه فعليًا.
وعندما تُهمَّش القوى التي صنعت التغيير، ويُترك المتضررون من الثورة دون تمثيل أو حماية أو أفق واضح، فإن الحديث عن العدالة والمواطنة يصبح مجرد شعار، لا سياسة.
الخطر الحقيقي
الخطر لا يكمن في دعم مكوّن أو منطقة، بل في:
- تحويل الدعم إلى أداة دعائية
- تجاهل الواقع الاجتماعي والإنساني
- إقصاء من قدّموا التضحيات
فهذا النهج لا يبني دولة، بل يؤسس لاحتقان جديد، ويعيد إنتاج الانقسام بطريقة أكثر هدوءًا، لكنها أعمق أثرًا.
نحو إنصاف لا استعراض
إذا كانت الحكومة جادّة في بناء دولة ديمقراطية، فإن الطريق لا يمر عبر انتقاء المكوّنات، بل عبر:
- إشراك جميع مكونات الثورة في القرار
- معالجة ملف المخيمات كأولوية إنسانية
- ربط الخطاب السياسي بالواقع المعيشي
- إنهاء سياسة إدارة الصورة على حساب الإنسان
فالإنصاف لا يكون في المؤتمرات ولا في الرسائل الخارجية، بل في الخبز، والمأوى، والكرامة، والعدالة.