لم يخرج الشعب السوري قبل أربعة عشر عاماً في ثورة كبرى قدم خلالها مئات الآلاف من الشهداء وملايين المهجرين، لكي يرى اليوم إعادة إنتاج منظومة الفساد والظلم نفسها التي ثار عليها.

إن ما يجري اليوم في سوريا يثير قلقاً عميقاً وغضباً متزايداً لدى قطاعات واسعة من السوريين، بعد سلسلة من السياسات التي تجاوزت الخطوط الحمراء سياسياً وأخلاقياً ووطنياً.
لقد أصبح واضحاً أن التشكيل الحكومي الحالي لم يعد قائماً على الكفاءة أو الاستحقاق، بل على المحاصصات الضيقة والعلاقات الشخصية والمحسوبيات، في مشهد يعيد إلى الأذهان أساليب النظام السابق التي قامت الثورة أساساً لإسقاطها.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه السوريون تحقيق العدالة ومحاسبة من تورطوا في الجرائم والانتهاكات خلال سنوات الحرب، فوجئ الشارع بسياسات تسويات مالية مع شخصيات ارتبطت بالنظام السابق، وهي تسويات يرى كثير من السوريين أنها لا تمثل عدالة بل تمثل تقاسماً للمال المنهوب على حساب دماء الضحايا.
إن تحويل الجرائم الكبرى إلى صفقات مالية ليس مصالحة وطنية، بل إهانة لضحايا القتل والتعذيب والاعتقال، ورسالة خطيرة مفادها أن من سرق وقتل يمكنه الإفلات من المساءلة إذا امتلك المال.
وفي الوقت ذاته، تتزايد شكاوى المواطنين من انتشار الفساد والمحسوبيات والرشاوى داخل مؤسسات الدولة، في ظل غياب واضح للرقابة والمساءلة.
أما على الصعيد الأمني، فإن حالة التفلت الأمني في العديد من المناطق الثائرة باتت مصدر قلق يومي للسكان، مع انتشار عمليات السرقة والخطف والفوضى، بينما يشعر كثيرون أن فرض القانون لا يتم بالقدر ذاته في مختلف المناطق.
كما أثارت بعض السياسات المتعلقة بالمناهج والهوية الثقافية جدلاً واسعاً، بعد اتخاذ قرارات يُنظر إليها على أنها محاولة لمغازلة أطراف سياسية محددة، في حين لم تُطرح مقاربة وطنية شاملة تعترف بتنوع مكونات المجتمع السوري كافة.
إن أخطر ما في هذه السياسات هو أنها تعطي انطباعاً خطيراً بأن السلطة الجديدة اختارت مواجهة الشارع الذي ثار من أجل الحرية، بدلاً من الاستماع إلى صوته.
نقولها بوضوح لا لبس فيه:
إن صبر الشعب السوري ليس بلا حدود.
الشعب الذي صمد أربعة عشر عاماً في مواجهة أقسى آلة قمع في المنطقة، لن يقبل أن تُختطف تضحياته أو أن تتحول ثورته إلى سلطة تقوم على المحسوبيات والصفقات.
إن استمرار تجاهل مطالب العدالة والشفافية، واستمرار سياسات الإقصاء والمحاصصة، لن يؤدي إلا إلى تعميق الغضب الشعبي وتوسيع الفجوة بين المجتمع والسلطة.
وعليه فإننا نحذر بوضوح:
إن تجاهل هذه المؤشرات الخطيرة سيقود البلاد إلى مرحلة جديدة من التوتر السياسي والاجتماعي، وهي مرحلة لن يكون أحد قادراً على السيطرة على نتائجها.
إن الطريق الوحيد لتجنب هذا المسار هو العودة إلى المبادئ التي خرج السوريون من أجلها:
العدالة
المساءلة
الكفاءة
وكرامة المواطن السوري
وغير ذلك لن يكون إلا إعادة إنتاج للأزمة التي دفع السوريون ثمناً باهظاً للخروج منها.