سوريا بين تضحيات الثورة وسياسات الحكومة الجديدة: هل انحرف المسار؟

بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الصراع والتضحيات الهائلة التي قدمها السوريون في سبيل الحرية والكرامة، يجد كثير من أبناء البلاد أنفسهم اليوم أمام واقع سياسي يثير تساؤلات عميقة حول الاتجاه الذي تسلكه المرحلة الجديدة.

Syria Assad Fall Anniversary 99225

فبدلاً من أن يشعر الشارع السوري بأن تضحياته أثمرت بناء دولة عادلة تقوم على الكفاءة والمساءلة، تتصاعد في المقابل أصوات تتحدث عن انحراف تدريجي عن المبادئ التي خرج السوريون من أجلها.

سياسات خارجية تتجاوز الخطوط الحمراء

أولى هذه الانتقادات تتعلق بالسياسات الخارجية للحكومة الجديدة، والتي يرى كثير من المراقبين أنها تجاوزت خطوطاً سياسية حساسة، سواء عبر علاقات ملتبسة مع أطراف إقليمية أو عبر مقاربات سياسية اعتُبرت بعيدة عن المزاج الشعبي الذي تشكل خلال سنوات الثورة.

بالنسبة لقطاعات واسعة من السوريين، فإن السياسة الخارجية يجب أن تعكس إرادة الشعب الذي دفع ثمناً باهظاً في مواجهة النظام السابق، لا أن تبدو وكأنها تعيد إنتاج توازنات سياسية لم تتغير جذرياً.

تشكيل حكومي قائم على المحاصصة

الانتقاد الثاني يطال طبيعة التشكيل الحكومي ذاته.
فبدلاً من أن يقوم على الكفاءة والخبرة المهنية، يرى منتقدون أن كثيراً من التعيينات باتت تُفسَّر على أنها نتيجة محاصصات وعلاقات شخصية ومحسوبيات.

هذا النمط من الإدارة يعيد إلى أذهان السوريين ممارسات عرفوها جيداً خلال عقود من حكم النظام السابق، حين كانت المناصب توزّع وفق الولاء لا الكفاءة.

إعادة تدوير رجال النظام

الأمر الأكثر حساسية بالنسبة لكثير من السوريين يتمثل في ما يعتبرونه إعادة تدوير لشخصيات مرتبطة بالنظام السابق عبر تسويات أو ترتيبات إدارية مختلفة.

فبينما لا يزال كثير من الناشطين والثوار السابقين يعانون من قيود إدارية أو قانونية، يرى البعض أن شخصيات متهمة بالارتباط بآلة القمع في الماضي تمكنت من العودة إلى الحياة العامة عبر تسويات مالية أو سياسية.

هذا الواقع يثير سؤالاً مؤلماً لدى كثير من عائلات الضحايا:
هل كانت التضحيات الهائلة مجرد مرحلة عابرة في طريق إعادة إنتاج المنظومة ذاتها؟

تسويات مالية تثير جدلاً أخلاقياً

من أكثر الملفات إثارة للجدل ما يُقال عن تسويات مالية مع بعض الشخصيات المتهمة بارتكاب انتهاكات خلال سنوات الحرب.

بالنسبة لمنتقدي هذه السياسات، فإن تحويل الجرائم الكبرى إلى تسويات مالية يطرح إشكالية أخلاقية خطيرة:
هل يمكن أن يصبح المال بديلاً عن العدالة؟

الخشية هنا أن يُفهم الأمر وكأن الجرائم التي ارتُكبت بحق السوريين يمكن طيّ صفحتها مقابل مبالغ مالية، وهو ما يراه كثيرون إهانة لدماء الضحايا ومعاناة المعتقلين والمفقودين.

تفاقم الفساد والمحسوبيات

في الوقت ذاته، تتزايد شكاوى المواطنين من انتشار الفساد والرشاوى والمحسوبيات داخل بعض المؤسسات المحلية.

ويخشى مراقبون من أن تتحول هذه الظواهر إلى نمط إداري دائم إذا لم تتم مواجهتها بسياسات حازمة تعيد الاعتبار لمبدأ الشفافية والمساءلة.

اختلال في الأولويات الأمنية

من القضايا التي تثير غضب الشارع أيضاً ما يوصف بازدواجية في التعامل الأمني.
ففي حين يشتكي سكان مناطق عديدة من انتشار السرقات والخطف والفوضى، يرى بعض المواطنين أن الدولة تبدو أكثر حزماً في مناطق أخرى.

هذا التفاوت في فرض القانون يخلق شعوراً خطيراً بعدم المساواة أمام الدولة.

جدل الهوية والمناهج التعليمية

أثار إدخال اللغة الكردية في بعض المناهج التعليمية نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والاجتماعية.

فبينما يرى البعض أن الاعتراف بالتنوع الثقافي أمر إيجابي، يطرح آخرون تساؤلات حول سبب عدم اعتماد مقاربة شاملة تعترف أيضاً بلغات وثقافات مكونات سورية أخرى مثل التركمان والشركس والآشوريين والسريان وغيرهم.

بالنسبة لهؤلاء، فإن العدالة الثقافية يجب أن تكون شاملة، لا انتقائية.

مخاوف من انقسام اجتماعي

في ظل هذه الملفات المتراكمة، يحذر بعض المراقبين من أن استمرار تجاهل هذه الانتقادات قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين الشارع والسلطة.

السوريون الذين خرجوا قبل أكثر من عقد مطالبين بالحرية والكرامة لم يفعلوا ذلك من أجل استبدال منظومة بأخرى مشابهة لها، بل من أجل بناء دولة قانون حقيقية.

اليوم، يقف السوريون أمام لحظة مفصلية:
إما أن تُعاد صياغة السياسات بما ينسجم مع تطلعات الشعب، أو أن يستمر التوتر السياسي والاجتماعي في التصاعد.

ويبقى السؤال الأهم الذي يتردد في الشارع السوري:
هل ستستمع السلطة إلى أصوات الناس قبل أن تتحول حالة الغضب الصامت إلى أزمة سياسية أوسع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top