منذ أكثر من عقد من الزمن، يعيش السوريون في قلب واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في العالم.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن السوري اليوم لم يعد يتعلق فقط بالحرب، بل بما حدث بعد الحرب.

لقد تحمل السوريون سنوات طويلة من القصف والتهجير والفقر والخوف.
مدن دمرت، عائلات تشردت، وأجيال كاملة نشأت في ظل الحرب.
ومع ذلك، ظل الأمل حاضراً في قلوب الكثيرين بأن نهاية الصراع قد تعني بداية مرحلة جديدة:
مرحلة تعيد للسوريين شيئاً من كرامتهم، وشيئاً من حقهم في العيش بسلام داخل وطنهم.
لكن الواقع الذي يراه المواطن السوري اليوم يبدو مختلفاً تماماً.
فبينما تتحرك القوى الإقليمية والدولية فوق الأرض السورية، يجد السوري نفسه مرة أخرى خارج المعادلة.
في الأيام الأخيرة، تصاعد التوتر على الحدود السورية اللبنانية، مع تقارير عن هجمات مرتبطة بـ حزب الله ضد مواقع للجيش السوري، يقابلها حشد عسكري سوري قرب الحدود.
لكن السؤال الذي يتردد في الشارع السوري ليس عسكرياً بقدر ما هو سياسي:
هل يجري هذا التصعيد من أجل مصلحة الشعب السوري؟
أم أنه مجرد حلقة جديدة في صراع القوى الإقليمية على الأرض السورية؟
لقد شارك حزب الله خلال سنوات الحرب في معارك داخل سوريا، وكان جزءاً من الصراع الذي دفع السوريون ثمنه دماً ودماراً.
ومع ذلك، لم يشهد السوريون حتى الآن أي مسار حقيقي للعدالة أو المحاسبة بحق الأطراف التي شاركت في تلك الحرب.
واليوم، عندما تتحرك الجبهات العسكرية مجدداً، يشعر كثير من السوريين بأن الهدف ليس إنصافهم أو رد اعتبارهم، بل إرضاء حسابات إقليمية ودولية.
فالبعض يرى أن إيران تسعى للحفاظ على نفوذها عبر حلفائها، بينما تضغط الولايات المتحدة و إسرائيل في اتجاهات أخرى.
وفي وسط هذا الصراع الكبير، يقف المواطن السوري وحيداً.
ليس طرفاً في القرار.
وليس مستفيداً من نتائجه.
المفارقة المؤلمة أن الحكومة السورية باتت اليوم تسيطر على معظم الموارد الاقتصادية للبلاد:
النفط، الغاز، الموانئ، والعديد من الموارد التي كان السوريون يعتقدون أنها قد تساعد في تحسين حياتهم بعد سنوات الحرب.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان العكس تماماً.
فالأسعار ارتفعت بشكل غير مسبوق.
المواد الغذائية أصبحت عبئاً ثقيلاً على العائلات.
المحروقات أصبحت سلعة نادرة أو باهظة الثمن.
والبطالة تتوسع، بينما تتراجع القدرة الشرائية للمواطن يوماً بعد يوم.
بالنسبة لكثير من السوريين، يبدو وكأن معاناتهم لم تنتهِ مع توقف المعارك، بل دخلت مرحلة جديدة من الضيق الاقتصادي والقلق السياسي.
السؤال الذي يتكرر في المجالس الشعبية والأسواق والبيوت السورية بسيط جداً:
إذا كانت الحرب قد انتهت، وإذا كانت الدولة تسيطر على الموارد، فلماذا تزداد معاناة المواطن؟
الإجابة التي يخشاها الكثيرون هي أن المواطن السوري لم يكن يوماً محور الصراع… ولا يبدو أنه أصبح محور السياسة حتى الآن.
لقد دفع السوريون ثمناً هائلاً خلال السنوات الماضية.
لكن الشعوب التي دفعت كل هذا الثمن لا يمكن أن تبقى إلى الأبد خارج المعادلة.
فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تنسى حقوقها ولا تضحياتها.
وسوريا اليوم تقف أمام لحظة مصيرية:
إما أن تصبح دولة تستعيد ثقة مواطنيها وتضع مصلحتهم في قلب القرار السياسي،
أو أن تبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين… بينما يستمر المواطن السوري في دفع الثمن.