العدالة بالتقسيط: حين تُسوّى الجرائم بفواتير مالية

لا تزال قطاعات واسعة من السوريين تشعر بأن الحكومة الجديدة، بدل أن تفتح صفحة عدالة انتقالية حقيقية، تمضي في إعادة إنتاج منطق “التسويات” الذي يشبه – في نظر منتقديها – امتدادًا لحقبة الإفلات من العقاب.

845

في محافظة دير الزور، عاد الجدل إلى الواجهة بعد أنباء عن تسويات شملت شخصيات ارتبط اسمها بسنوات الحرب، من بينها مدلول العزيز وفراس الجهام المعروف بلقب “فريّس العراقية”، وهما اسمان يرددان كثيرًا في روايات محلية تتهمهما بالمشاركة في انتهاكات جسيمة خلال المعارك التي شارك فيها أيضًا العميد الراحل عصام زهر الدين.

دير الزور بين الحصار والذاكرة المفتوحة

عاشت دير الزور واحدة من أقسى مراحل الحرب، خصوصًا خلال حصار تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للمدينة بين 2014 و2017.
في تلك الفترة، كانت المواد الغذائية تصل إلى مطار المدينة عبر طائرات عسكرية، وسط روايات متداولة عن احتكار وبيع بأسعار خيالية في ظل الجوع والعوز. بالنسبة لكثير من الأهالي، لم يكن الحصار عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا وأخلاقيًا أيضًا.

اليوم، ومع الحديث عن “تسويات مالية” مع شخصيات متهمة بالاستفادة من تلك المرحلة، يتجدد السؤال:
هل تُختصر العدالة بإيداع مبلغ مالي في خزينة الدولة؟
وهل يمكن اعتبار المال – الذي يُعتقد أنه جُمع أصلًا من جيوب المنهكين – ثمنًا لإغلاق ملفات الدم؟

التسوية أم المحاسبة؟

بحسب الخطاب الرسمي، فإن من لديه اعتراض أو ادعاء يستطيع التقدم بشكوى شخصية لفتح تحقيق.
غير أن منتقدين يرون في هذا الطرح نقلًا لعبء العدالة من الدولة إلى الضحايا.
فهل يُعقل – كما يتساءل كثيرون – أن يحتاج قائد سابق في “الدفاع الوطني” بمحافظة منكوبة إلى شكوى فردية لإثبات ما تعتبره ذاكرة المجتمع حقيقة راسخة؟

هنا تتجلى المفارقة الساخرة:
الدولة التي يفترض أن تمتلك أرشيفًا أمنيًا وقضائيًا واسعًا، تقول للناس: “هاتوا الأدلة وابدأوا من الصفر.”
وكأن سنوات التوثيق، وشهادات الضحايا، وتقارير المنظمات، ليست كافية لفتح ملفات جدية.

بين العدالة الانتقالية وعدالة الصندوق

العدالة الانتقالية، في تجارب العالم، تقوم على ثلاث ركائز:

  1. كشف الحقيقة
  2. محاسبة المسؤولين
  3. جبر الضرر للضحايا

لكن حين تتحول المعادلة إلى:
ادفع مبلغًا… تُطوَ الصفحة
فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع تكون مختلفة تمامًا.

في المقاهي والبيوت، تتردد عبارات لاذعة:
“هاتوا بشار الأسد وماهر الأسد وسهيل الحسن، اعملوا لهم تسوية وخلصونا… إذا كانت الدماء تُقاس بالدولار!”

هي جملة ساخرة، لكنها تختصر عمق الإحباط.
فالشعب الذي قدّم مئات آلاف الضحايا، لا يرى في التسويات المالية سوى تحويل الألم إلى بند محاسبي.

ما الذي يخشاه السوريون؟

الخوف لا يتعلق بشخص أو اثنين، بل بسابقة قانونية:
إذا كانت الجرائم الكبرى قابلة للتسوية، فما الذي يمنع تكرار النموذج؟
وإذا كانت الأموال المنهوبة تعود إلى الخزينة دون محاكمة علنية وشفافة، فأين الاعتراف بالضحايا؟ وأين ضمان عدم التكرار؟

العدالة ليست انتقامًا، لكنها أيضًا ليست صفقة.
والمصالحة لا تُبنى على إنكار الذاكرة، بل على مواجهتها بشجاعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top