تمرّ البلاد بمرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التحديات الأمنية مع مطالب سياسية ومجتمعية معقّدة. في الجنوب، ترتفع أصوات تطالب بإدارة خاصة. في الشمال، تدار مناطق خارج الإطار المركزي. وفي الساحل، واقع مختلف يتشكل. هذا المشهد المتشظي لا يمكن التعامل معه بسياسات ارتجالية أو بمنطق المحاصصة الصامتة.

لكن الأخطر من كل ذلك هو ما يجري في قلب الدولة.
هناك شعور متصاعد لدى الشريحة الأكبر من السوريين بأن الأمور تعود تدريجيًا إلى أنماط مألوفة:
الرئيس وأقاربه في مفاصل القرار، مسؤولون يضعون أقاربهم في مواقع حساسة دون كفاءة واضحة، توزيع للمهام وفق المحسوبيات لا وفق الاستحقاق العلمي، وعودة صامتة لثقافة “الولاء قبل الكفاءة”.
هذه ليست مجرد انتقادات عابرة.
هذا مناخ يتراكم في الوعي العام.
التحرك المتهور خطر… لكن تجاهل الغليان أخطر
ندرك أن الخطاب التعبوي غير المنضبط قد يدفع البلاد نحو انفلات لا تُحمد عقباه.
ونرفض أي مسار يؤدي إلى تقسيم أو صراع أهلي أو فوضى شاملة.
لكن في المقابل، فإن سياسة التساهل والتبرير والصمت الرسمي أمام اختلالات واضحة ستؤدي إلى نتيجة أخطر:
تآكل الثقة، ثم انكسارها.
الصمت الحالي ليس رضى.
إنه انتظار.
والانتظار له سقف.
الأغلبية الصامتة ليست ضعيفة
إذا كانت مجموعات محدودة عدديًا قادرة على الضغط وتحقيق مكاسب سياسية أو إدارية، فإن على الحكومة أن تدرك أن الكتلة الأكبر من السوريين — التي تشكل الغالبية الساحقة من المجتمع، إلى جانب بقية المكونات الوطنية من تركمان وأرمن وشركس ومسيحيين وإيزيديين وشيعة وإسماعيليين وعشائر عربية وسواهم — لا تطالب بامتيازات ولا بحكم ذاتي.
مطالبها أبسط وأعمق في آن واحد:
- دولة مؤسسات لا دولة أقارب
- استحقاق علمي لا محسوبيات
- عدالة في الفرص لا توزيع ولاءات
- مركزية قانون لا مركزية نفوذ
هذه الكتلة لا تريد الانفصال، ولا التميّز، ولا المحاصصة.
بل تريد تغييرًا حقيقيًا في بنية الحكم التي تجاهلتها طويلًا.
إعادة إنتاج المنظومة… وصفة لانفجار مؤجل
أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن يشعر الناس بأنهم خرجوا من مرحلة ليجدوا أنفسهم في نسخة معدلة من المرحلة ذاتها.
عندما يُعاد تدوير الوجوه، وتُستبدل الشعارات دون تغيير جوهري في آليات الحكم، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع تكون واضحة: لم يتغير شيء.
وحينها لا يكون الغضب سياسيًا فقط، بل وجوديًا.
الرسالة واضحة
هذا خطاب تحذير لا تهديد.
تنبيه لا تصعيد.
الشعب لا يزال ينظر، يراقب، ويقارن.
وهو صامت حتى الآن لأنه يفضّل الاستقرار على الفوضى.
لكن إن لم تُتخذ خطوات جادة لتبريد هذا الغليان عبر:
- إصلاح إداري حقيقي
- إنهاء المحسوبيات
- إشراك كفاءات مستقلة
- فتح قنوات مساءلة شفافة
- توزيع عادل للفرص بين المحافظات
فإن الانفجار لن يكون نتيجة تحريض، بل نتيجة تراكم.
والتراكم اليوم واضح.
سوريا لا تحتمل مغامرات،
ولا تحتمل عودة عقلية الدولة المغلقة.
صبر الناس ليس ضعفًا.
لكنه ليس أبديًا.