قرارات السلطة الجديدة في سوريا: تسويات سياسية أم إعادة رسم موازين القوة؟

تثير بعض القرارات الأخيرة الصادرة عن السلطة الجديدة في سوريا موجة واسعة من الجدل السياسي والشعبي، خصوصاً تلك المتعلقة بترتيبات الحكم المحلي في بعض المناطق الكردية، إضافة إلى تعيين شخصيات مرتبطة بقوات عسكرية كانت جزءاً من معادلة الصراع خلال السنوات الماضية.

000 38EY89F

ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن منح شكل من أشكال الإدارة الذاتية أو الحكم المحلي الموسع في بعض المناطق ذات الغالبية الكردية، برزت تساؤلات سياسية أخرى بعد تعيين سيبان حمو، وهو أحد القيادات المعروفة في قوات سوريا الديمقراطية، في موقع عسكري ضمن هيكلية وزارة الدفاع عن المنطقة الشرقية.

هذه التطورات تطرح تساؤلات عميقة لدى قطاعات واسعة من السوريين، خصوصاً في المناطق العشائرية العربية في الشرق السوري، حول طبيعة التوازنات التي تسعى السلطة الجديدة إلى بنائها.

صدمة سياسية في الشارع السوري

بالنسبة لكثير من أبناء المناطق التي شهدت الحراك الثوري منذ عام 2011، تبدو هذه القرارات وكأنها تحمل رسائل متناقضة.

ففي الوقت الذي يتوقع فيه كثير من السوريين أن تعكس الدولة الجديدة روح الثورة التي طالبت بالحرية والعدالة، يرى البعض أن بعض التعيينات أو الترتيبات السياسية تبدو أقرب إلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى العسكرية والسياسية التي كانت جزءاً من الصراع.

وهذا ما يدفع بعض الأصوات إلى طرح سؤال صريح يتردد في النقاشات الشعبية:

هل يجري مكافأة قوى كانت على خلاف مع الثورة، في حين يشعر كثير من أبناء المناطق التي احتضنت الاحتجاجات بأنهم مهمشون سياسياً؟

حساسية المنطقة الشرقية

تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في المنطقة الشرقية من سوريا، حيث تشكل البنية العشائرية العربية أحد أهم عناصر التوازن الاجتماعي والسياسي.

لذلك فإن أي قرار يتعلق بالإدارة أو التعيينات العسكرية في تلك المناطق يُنظر إليه من زاوية حساسة للغاية، خصوصاً إذا لم يكن جزءاً من توافق وطني واضح أو حوار سياسي شامل مع سكان المنطقة.

بين المصالحة السياسية وإدارة التوازنات

من ناحية أخرى، يرى بعض المحللين أن السلطة الجديدة ربما تحاول بناء توازنات سياسية وعسكرية معقدة داخل سوريا، في ظل واقع جغرافي وسياسي شديد التعقيد.

لكن المشكلة الأساسية، بحسب منتقدين، ليست في مبدأ الحوار أو التفاهم بين القوى المختلفة، بل في غياب الشفافية السياسية حول طبيعة هذه التفاهمات وحدودها.

فالشعب السوري، الذي دفع ثمناً هائلاً خلال سنوات الصراع، يريد أن يفهم بوضوح إلى أين تتجه البلاد، وما هي طبيعة الدولة التي يجري بناؤها.

الخوف من كسر العلاقة بين الثورة والسلطة

الخطر الأكبر الذي يحذر منه بعض المراقبين هو أن يشعر جزء من المجتمع السوري بأن السلطة الجديدة بدأت تبتعد عن الروح التي ولدت منها.

فالثورات في التاريخ لا تفشل فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل أيضاً عندما يشعر من صنعوها بأنهم أصبحوا خارج معادلة القرار.

سوريا أمام اختبار سياسي حقيقي

اليوم تقف سوريا أمام اختبار سياسي حساس.

فإدارة التنوع القومي والاجتماعي داخل البلاد مسألة ضرورية لأي دولة مستقرة، لكن هذه الإدارة تحتاج إلى عدالة سياسية وتوازن حقيقي بين جميع المكونات.

أما إذا شعر جزء كبير من المجتمع بأن القرارات تُتخذ دون مشاركته أو على حسابه، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التوتر السياسي والاجتماعي.

ويبقى السؤال الذي يتردد اليوم في كثير من المجالس السورية:

هل تسعى السلطة الجديدة إلى بناء دولة جامعة لكل السوريين، أم أن البلاد تدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ تحت عناوين مختلفة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top