بعد سنوات طويلة من التضحيات التي قدمها الشعب السوري في ثورته ضد نظام الاستبداد، يزداد القلق الشعبي اليوم من المسار الذي تسلكه السلطة الجديدة في إدارة الدولة.

لقد خرج السوريون في ثورتهم من أجل الكرامة والعدالة وإنهاء منظومة الاستبداد والفساد، وليس من أجل إعادة إنتاجها بأسماء جديدة أو بصيغ مختلفة.
إن حالة الغضب الشعبي المتصاعدة في عدة مناطق سورية ليست وليدة فراغ، بل هي نتيجة تراكمات خطيرة يشعر بها المواطن السوري في حياته اليومية.
ففي الوقت الذي يطالب فيه السوريون بدولة قانون ومؤسسات، ما زالت البلاد تشهد:
- استمرار نفوذ قوى مسلحة خارج إطار الدولة
- تصاعد ظاهرة المحسوبيات والتعيينات العائلية في مؤسسات الدولة
- إعادة تدوير شخصيات مرتبطة بالنظام السابق
- تجاهل المطالب المعيشية الأساسية للمواطنين
كما يتابع السوريون بقلق ما يجري في عدة مناطق من البلاد حيث تفرض بعض القوى المسلحة نفوذها الخاص، سواء في الشمال الشرقي الخاضع لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية وبعض الأجهزة الأمنية المرتبطة بها مثل Asayish، أو في مناطق أخرى تشهد نشاطاً لمجموعات مسلحة خارجة عن القانون.
وفي الجنوب، أثارت بعض المواقف السياسية الصادرة عن شخصيات مرتبطة بالشيخ حكمت الهجري جدلاً واسعاً في الشارع السوري، خاصة عندما تترافق مع دعوات للتدخل الخارجي في الشأن السوري.
كما أن استمرار ظهور مجموعات مسلحة مرتبطة بفلول النظام السابق في الساحل، والتي يُتداول اسم شخصيات مثل مقداد فتيحة ضمن سياقها، يزيد من مخاوف السوريين من غياب المساءلة الحقيقية.
إن السكوت عن هذه الوقائع يهدد مستقبل الدولة السورية ووحدة المجتمع.
والأخطر من ذلك أن يشعر المواطن السوري بأن صوته وتضحياته يتم تجاهلها، بينما تستمر مراكز النفوذ في فرض سياساتها دون محاسبة.
إن الثورة السورية لم تكن حدثاً عابراً يمكن لأي سلطة أن تعلن نهايته بقرار سياسي.
الثورات الشعبية لا تنتهي بمرسوم، بل تنتهي فقط عندما تتحقق أهدافها في الحرية والعدالة وبناء دولة تحترم مواطنيها.
لذلك نؤكد بوضوح:
إن تجاهل مطالب الشعب السوري، والاستمرار في السياسات التي يشعر السوريون أنها تعيد إنتاج الظلم والفساد، قد يدفع البلاد إلى مرحلة خطيرة من الاحتقان السياسي والاجتماعي.
إن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة ولا بالخطاب الإعلامي، بل يتحقق بالعدالة والمساواة واحترام تضحيات الشعب.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي قامت بثورات من أجل كرامتها لا يمكن أن تقبل بعودة الظلم بأي شكل من الأشكال.
ولهذا فإن المسؤولية الوطنية اليوم تفرض على السلطة الحاكمة أن تعيد النظر في سياساتها، وأن تستمع بجدية لصوت الشارع السوري قبل أن تصل البلاد إلى مرحلة لا يمكن السيطرة على تداعياتها.
إن الحفاظ على الدولة السورية يتطلب إصلاحاً حقيقياً وشاملاً، لا إدارة للأزمات ولا تجاهلاً لغضب الناس.
وقد أعذر من أنذر.